ابن قتيبة الدينوري

مقدمة التحقيق 27

المعارف

إجمال عن الحياة العلمية : لقد رأيت كيف حفلت هذه الفترة الصغيرة ، التي لا تزيد عن قرن إلا بقليل ، بتلك الكثرة من العلماء على مختلف ألوانهم . يعزو الدارسون ذلك إلى أن من ولى خلافة « بغداد » في تلك الفترة كانوا من الخلفاء العلماء ، فرغبوا في العلم وأحسنوا وفادة أهله وشجعوهم عليه ، فانتعشت بغداد بمن فيها وبمن وفد إليها ، وأصبحت ميدانا لحركة علمية فكرية واسعة . ويكتب لهذه الحركة : أن تبلغ أوجها على يدي المأمون ، ويكون المأمون نفسه على رأس تلك الحركة عالما يشارك العلماء الرأي ، ويأخذ معهم في الحديث . ويسود العصر لون من التسامح الفكري يشجع العلماء والمفكرون في ظله على القول ، فكان لذلك أثره الكبير في ظهور الفرق الكلامية ، واحتدام الجدل بينها . ولقد كان أكثر الخلفاء تسامحا المأمون ( 1 ) . فظهر في هذا العصر نفر من جلة العلماء ورؤس المتكلمين أوغلوا في البحث معتمدين على العقل ، مخالفين بما يقولون ما عليه علماء المسلمين . ونشأ هذا الخلاف أوّل ما نشأ في البصرة ، ثم عداها إلى بغداد ، حمل لواءه واصل بن عطاء ، ثم عمرو بن عبيد - الَّذي قرّبه المنصور إليه - ثم أبو الهذيل العلاف ، والنظام ، والمريسي بشر بن غياث ، والجاحظ ، وثمامة بن أشرس ، من شيوخ الاعتزال .

--> ( 1 ) تاريخ بغداد لابن طيفور ( 76 )